بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد و آل سيدنا محمد
قال مولانا أبي المعالي القونوي قدس سره في كتابه مفاتيح الغيب:
كل ما أدركته بعلمك ولم ينته نظرك فيه إلى ادراك ما ورائه - سواء غايره مغايرة الصورة لمعناها أو روحها - أو مغايرة الوجود للحقيقة المتصفة به أو لم يغايره، فإنك ما أدركته حق الادراك التام، ومتى أوجب لك إدراكك له أو رؤيتك إياه التعدي إلى ما ورائه، فحينئذ يصح ان يقال انك أدركته أو رأيته رؤية تامة حقيقية أحاطية، لأنه ما من شئ من المدركات الظاهرة والباطنة الا ويوجب النظر فيه - مشاهدة وعلما - الانتهاء إلى ما ورائه، حتى النظر في الحق تعالى - إذا كان الناظر تام النظر أو تام الكشف - هو بهذه المثابة، فإنه ما لم يتعد نظرك ما علمت، وأدركت من الحق إلى ما ورائه، لم يتحقق سر ليس وراء الله مرمى لرام، وان ليس بعد الوجود المحض الذي هو الخير الا عدم متوهم في المقابلة يحكم عليه بأنه الشر والضد للوجود، ولم تعلم أيضا ان الحق لا يحاط به علما وان نسبة ما تعين لك أو لغيرك نسبة المتناهى إلى غير المتناهى، ونسبة المقيد المنضبط إلى الامر المطلق الذي لا ينضبط. وهذا أصل كبير يعسر فهمه ابتداء، الا لمن كحل الله بصيرته بنور تجليه، فإنه من سر المطلع الذي لا يخلو شئ عن حكمه.
وتعلم من هذا الذوق ان الشخص متى حقق النظر كشفا أو عقلا في كل موجود مقيد، انتهى به الامر - إذا كان تام الادراك - ان يعلم من قيده اطلاق الحق سبحانه وتعالى مع كشفه انه مجلي من مجاليه ومظهر له وظاهر به أيضا، وكذلك يعرف من كل ما ينطبق عليه انه حجاب على الحق سبحانه وعنه، انه كاشف ومظهر، والحجاب إذا لم يكن عين المحجوب لا واسطة بينه وبين المحجوب، ونقدر الامر في الحجاب الأقرب إذا قيل بكثرة الحجب، أو فيما لا حجاب عليه غير واحد، فإنه متى عرف الحجاب نفسه، علم أن لا واسطة بينه وبين المحجوب، بل أبين لك الامر الحجاب وارفع حكمه بكشف سره.
فأقول: كلما يقال عنه انه حجاب على الحق لا يخلو اما ان يكون الحق سبحانه عينه، بمعنى انه تعالى حجاب على نفسه أو غيره، وليس الا الممكنات، فالمسمى حجابا - اما بعض الممكنات أو كلها - لا جائز ان يكون بأسرها حجابا، فإنه ما ثمة أمر، إذ ليس الا الله سبحانه والممكنات، ولا جائز ان يكون بعضها حجابا دون الباقي، لان هذا الحكم للبعض، اما ان يصح ويثبت لكونه ممكنا، فيلزم اذن اشتراك جميع الممكنات في ذلك، لاشتراكها كلها في حقيقة الامكان، فما اقتضاه شئ منها لامكانه ثبت للجميع، وإن كان انما يصح ذلك لبعض الممكنات لا لكونه ممكنا فحسب، بل مع انضمام قيد اخر خارج.
فنقول حينئذ: فذلك القيد الخارجي اما ان يكون نسبة سلبية أو أمرا ثبوتيا، لا جائز ان يكون نسبة سلبية، والا لكان ما لا وجود له يوجب اثرا وحكما فيما له وجود، بل وفي واجب الوجود، وذلك غير جائز، وإن كان أمرا ثبوتيا، فاما ان يكون الحق أو الممكنات - كما مر - لا جائز ان يكون الممكنات - لما قلنا - فلم يبق الا ان يكون الحق.

.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)


.jpg)


.jpg)










